إن موجة الثورات التي عصفت بالمتوسط منذ يناير/كانون الثاني 2011 كانت حدثا لم يسبق لها مثيل في تاريخ المنطقة المعاصر. وعلى غرار الأحداث التي وقعت في أوروبا إبّان خريف 1989، أضحى الربيع العربي الذي أصبح مشهورا في هذه السّاعة، بمثابة رسالة أمل بالنسبة لمنطقة لطالما اعتُبرت أنها ستظل سجينة الاستبداد السياسي ومحكوما عليها بالإجحاف الاقتصادي.
من تونس إلى القاهرة، أطلق المواطنون نداء واضحاً: يريدون توزيعاً عادلاُ لعوائد النمو، ودولة قانون منسّقة. يريدون إنهاء الفساد. يريدون حكومات مسؤولة وشفافة. وبشكل بارز، يرغبون في فرصة لصناعة وتقرير مصيرهم. من المؤكد أنّ تحقيق هذه الطموحات سيكون أكثر تعقيداً وخروجاً عن المألوف ممّا هو متوقع، ولكن علينا ألا ننسى أن ما يحدث في الآونة الحاضرة هو فرصة لبدء عهد تسوده أخيراً الديمقراطية ويعمّه الازدهار والسلام في سائر المنطقة.
ظل مركز مرسيليا للاندماج المتوسطي، منذ انطلاقه في 2009، مفعما بروح التجديد والفكر المُبتكر. وبفضل الجهود المشتركة التي يبذلها الأعضاء المؤسسون، أخرج إلى الوجود نموذجاً جديداً للتعاون والتنمية ومكّن من تركيز النظر على أكثر القضايا استعجالاً التي تواجهها المنطقة، وفي المقدمة: التشغيل والتعليم. وبالرجوع إلى الوراء، يؤكد الربيع العربي الطبيعة الرؤيوية لدى مركز مرسيليا للاندماج المتوسطي وشركاءه المتعددين، والتي يكتسبها منهجه المتعدد الأبعاد، بالإضافة إلى صواب دعم المركز للبلدان في طريق الانتقال.
وبينما يستجيب مركز مرسيليا للاندماج المتوسطي للمطالب الجديدة، لابد له أن يعزز مساعيه سواء على مستوى قطاعي أو شامل لقطاعات، كما يظل في الوقت نفسه مخلصا لأولويات كل بلد في طريق الديمقراطية، وسائر المنطقة. ويتعين على المركز أن يجتذب شركاء وحكومات جُدد متشبثين بنجاح الاندماج الاقتصادي والتغيير الديمقراطي.
لكل أحداث استثنائية أعمال استثنائية. ويفترض هذا الأمر التغيير الجدري للمتوسط، ليس فقط كتصور بل بشكل أكثر حيوية كواقع. وقد شكّلت شراكة دوفيل التي بدأتها دول مجموعة الثمانية وشركاءها العرب في مايو/أيار 2011، خطوة أولى ومرحلة حاسمة في هذا الصدد. من خلال ال 38 ملياردولار التي تمّ تخصيصها خلال الاجتماع الوزاري في مرسيليا في سبتمبر/أيلول 2011، من أجل دعم التحول الجاري في تونس ومصر والمغرب والأردن على مدى فترة 2011-2013، تعرض شراكة دوفيل إطاراً واعداً وفسيحاً يُتيح صياغة الواقع المتوسطي الجديد، ذلك الذي يتميّز بالديمقراطية ونمو واسع القاعدة وفرص تشغيل الملايين من الشباب وتكافؤ الفرص لصالح الجميع.
يتميّز مركز مرسيليا للاندماج المتوسطي بمرتبة جيّدة من أجل تشجيع ودعم هذا الهدف، ولاسيما بفضل عمله من أجل اندماج إقليمي أوسع ومن أجل تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر، وهي مواضيع ستُناقش في ضمن شراكة دوفيل 2012.